الأربعاء، 3 يونيو، 2009

chocolate


Chocolate
) دعوة إلى السحر والخيال والرومانسية والتمرد)

قل لي ما نوع " الشوكولا " التي تحبها .... أقل لك من أنت
أما إذا كنت لا تعرف .. فاتركني أنا أخبرك عن أي أنواع "الشوكولا" يناسبك ... ويدغدغ مشاعرك ... أو ربما يقلب حياتك كلها رأسك على عقب .. وعلى أقل تقدير سيجعلك تولد من جديد .



في جميع القصص الخيالية ، كانت الجنية الطيبة تأتي بعصاها السحرية لتحقق الحلم والأماني المستحيلة ، فترتدي سندريللا حذاء البلور ، وتلتقي الأمير ، وتكتب النهاية السعيدة .
وكأي فتاة صغيرة ، كانت
Joanne Harris ( جوان هاريس) تستمع للقصص الخيالية من أمها الفرنسية ، وتحلم بالجنية الطيبة ، وأيضا كانت ككل الأطفال تعشق الشوكولا ، ربما هي نفسها حين كبرت وصارت معلمة للغة الفرنسية للأطفال كانت تروي لهم أجمل القصص ، قبل أن تتفرغ تماما للتأليف والكتابة الروائية ، فتمزج بين عشقها للشوكولا والقصص الخيالية لتبدع روايتها " Chocolate" .
ومن الورق للشاشة السينمائية يتم إنتاج فيلم "
Chocolate" ، ليتشارك البطولة فيه أكثر من ممثل حائز على الأوسكار .
فتقوم بطلة " المريض الإنجليزي " (
Juliette Binoche) بدورVianne) Rocher) ، صاحبة متجر الشوكولا . أما الممثلة الإنجليزية القديرة (Judi Dench) الحاصلة على الأوسكار بدورها فتؤدي دور "Armande Voizin" الأرملة العجوز . بينما يقوم بدور الفنان الغجري " Roux" قرصان الكاريبي الأشهر " Johnny Depp". لتتكامل عناصر النجاح للفيلم الذي جمع بين الرومانسية والدراما والخيال والكوميديا في مزيج رائع متكامل كأفخر أنواع الشوكولا الفرنسية بالحليب والمكسرات ، تترك مشاهدته في النفس مذاقا حلوا وإحساسا بالنشوة والصفاء.
وباللغة الفرنسية المشبعة بحس رومانسي دافئ ، تبدأ الرواية بذلك الوصف وكأنها إحدى قصص الأطفال الشهيرة .
"كان ياما كان .... قرية فرنسية صغيرة هادئة ، يعيش أهلها في هدوء وسكينة تامة . إذا قدر لك أن تكون فردا من أهل تلك القرية الوادعة ، فعليك أن تدرك تماما موقعك في مخطط الأمور، أن تعيِ تحديدا مكانتك ، وألا تحيد عما هو متوقع منك ولك ، أما إذا حدث ونسيت ذلك فلا تقلق أبدا ، حتما ستجد فيها من ينبهك ويذكرك بكل القواعد حالا."
في تلك القرية وبشخوصها المألوفين المعتادين من( حاكم )يحافظ بقبضة من حديد على نظمها وعادتها القديمة ،( قس الكنيسة) ،( الأرملة العجوز) التي تعيش في حداد دائم منذ توفى زوجها بالحرب العالمية الأولى ، الزوج المتحكم العنيف وزوجته الخاضعة المستكينة ، وغيرها من النماذج المتشابهة .
"عليكم حفظ الأعراف التالية وإياكم أن تتجاهلوها : إذا ما رأيتم شيئا من المفترض ألا تروه أشيحوا عنه بوجوهكم فورا، أما إذا خابت كل آمالكم بالمصادفة ، فلا تقدموا أي شكوى أو تطالبوا بالمزيد. "
كان هذا هو الواقع الذي يحتاج حتما إلى ساحر متمكن ، كي يستطيع تغييره ، يحتاج إلى كلمة ( لكن ) بحروف كبيرة تزلل كل ما هو ثابت وتغير كل القواعد والقوانين البالية .
"وفي يوم من أيام الشتاء الممطرة هبت رياح الشمال الخبيثة ، هبت ومعها امرأة غريبة عن القرية ، كانت(
Vianne Rocher) بصحبة ابنتها الصغيرة " Anouk".
"فيان "تأتي إلى تلك القرية المتزمتة ، لتنشئ مصنعا ومتجرا لبيع" الشوكولا " هي نفسها كانت تحمل معها أسطورتها الخاصة ، تحمل رماد أمها " الغجرية " التي تحركها رياح الشمال دائما فترحل معها دون استقرار ، كان هذا قدر الأم ، ربما ورثته الابنة رغما عنها ، وربما سيكون هذا مصير الحفيدة " Anouk " التي وبعكس كل الأطفال كانت تكره الشوكولا وترفض تذوقها تماما وكأنها بحدسها الطفولي كانت تخشى أن تصيبها اللعنة المحيطة بنساء عائلتها . فيان التي تجسد كل ما تخشاه القرية وأهلها المستسلمين للسكون، الكارهين لكل ما يأتي من وراء حدودهم الصغيرة ، قوبلت بالخوف والكره والقطيعة ، عاملها الجميع كمرض معدٍ ، يجب الابتعاد عنه .
لكن سحر "فيان " لم يكن يقاوم ، وهي أجادته تماما حتى خضع له الجميع في النهاية ، وصفاتها السحرية كانت فيما تبتكره وتشكله من أنواع " الشوكولا " المختلفة ، حلوى ومشروبات باردة وساخنة .
الشوكولا الساحرة كانت توقظ كل المشاعر ، تثيرها ، تخرجها إلى النور بعد أعوام من الظلام الدامس ، كانت كالطبيب الماهر الذي يمنح لكل مريض دواءه الملائم تماما ، لم يكن الأمر يتطلب منها سوى كلمات قليلة ، تسبر بها أغوار زبائنها ، وقطعة صغيرة من حلواها الساحرة تذوب في أفواههم فيسري مفعولها السحري.

One Taste Is All It Takes
هكذا كانت رشفة واحدة من مشروب الشوكولا الساخنة ، أو قطعة واحدة من شوكولا أصداف البحر ، تذوب في الفم فتسري إلى الروح ، تنعشها ، تبعثها من الموت ، تلون الأشياء في أعين لم تر سوى الأسود دائما .
Armande Voizin الأرملة العجوز هذا هو ما حدث معها حين عاد قلبها ليخفق من جديد ، لتشعر بحقها في الحياة ، الحب ، الزواج . التمرد على كل أعراف قريتها البائدة .
لكن الرشفة الأولى لم تكن سوى البداية ، سوى قطرة من غيث المشاعر والأحاسيس التي تتدفق كنهر عذب يجرف كل الترسبات القديمة ، ويروى الأرض العطشى .
One taste is not enough
وهاهي اعترافات أهل القرية تتوالى ، أولئك الذين اقتربوا من الشجرة المحرمة ، وقطفوا التفاحة الشهية
- " في كل مرة أقول لنفسي أنها المرة الأخيرة ... لكنني بمجرد الحصول على رشفة من تلك الشوكولا الساخنة الرائعة أجد نفسي أتوق للمزيد . "
- " وفي كل مرة أحدث نفسي قائلة : إنها قطعة صغيرة قط سأتذوقها .. قطعة واحدة لن تحدث أي ضرر..لكنها تلك القطع الصغيرة من "شوكولا الأصداف البحرية " التي تذوب في عذوبة وبراءة في الفم فتمنحني شعورا غاية في الروعة ، "
" إنها تذوب ببطء شديد على اللسان ، فتغمرني بإحساس هائل من السعادة والنشوة " .
-
فيان لم تفلح في جعل أهل القرية يتقبلوا وجودها فقط ، بل أرغمتهم أيضا على تقبل " العازف الغجري، وفرقته المتنقلين دائما من قرية إلى أخرى بقاربهم الصغير، هي نفسها وقعت في حبه ربما لأنه يشبهها كثيرا ، يسير مع التيارات النهرية ، مثلما تحلق هي مع رياح الشمال .
" فيان " وما تبدعه من " شوكولا " توقظ الحواس ، وتبعث الحياة من جديد استطاعت أن تمنح حرارة العاطفة والحب والرغبة لزوجين اكتست حياتهما الزوجية بألواح من الثلج البارد ، وانزوت العاطفة بينهما منذ زمن ، كانت بعض أنواع المكسرات المستوردة من جواتيمالا هي الأكسير السحري الذي أشعل حرارة العاطفة من جديد .
أما " جوزفين " التي عانت الكثير من قسوة زوجها ووحشيته في الضرب والإهانة وجدت في متجر " الشوكولا " سبيلها للحرية والتمرد على ذلك الزوج القاس .
حتى القس المتشدد ألهمته جوزفين بالبحث عن صفات الإله الرحيمة ، عن دعوته للتسامح والحب وتقبل الآخر .
حققت فيان ما أتت من أجله ، منحت القرية الميتة حياة جديدة .

وكأي قصة أسطورية حقيقية لم تكن تلك النهاية .
" فرياح الشمال الذكية اللئيمة لم تكن تشعر بالرضا بعد ،لقد تحدثت إلى " فيان " عن تلك المدن التي لم تقم بزيارتها حتى الآن ، وعن أولئك الأصدقاء الذين لم تكتشفهم بعد وهم بحاجة إلى مساعدتها ، وعن معارك كثيرة بانتظارها كي تحقق فيها النصر "
وكرغبة منها في التخلص من السحر واللعنة القديمة ، أطلقت سراح رماد أمها منحته لرياح الشمال الجديدة كي يحلق معها مستكشفا آفاقا أخرى.
...By someone else, next time.
ربما ستكون هي الفتاة الصغيرة ، التي استسلمت بدورها أخيرا وسمحت للشوكولا أن تذوب على لسانها وتمس روحها بمذاقها السحري العذب .
جيهان عبد العزيز

نشر هذا المقال بمجلة "آدم وحواء" بالكويت 2008