الجمعة، 4 سبتمبر، 2009

se7en سينما الرعب الواقعي







Se7en"Se7en"
" الخطايا السبع المهلكة "
و (الرعب السينمائي الحديث )


أيهما أكثر رعبا الواقع أم الخيال ؟
هل طرح أحدكم هذا السؤال على نفسه وهو يشاهد فيلما حديثا من أفلام الإثارة الأمريكية, أو ربما وهو يشاهد الأخبار في القنوات الفضائية , هل عقد مقارنة بين أفلام الرعب التقليدية , و بعض أفلام السينما الأمريكية الحديثة ؟
تلك الأفلام التي لا تصنف كأفلام رعب , ربما لأنها لا تتضمن أشباحا , أو بيوتا مسكونة , أو غزوا فضائيا ....، لكنها تتضمن ما هو أكثر وطأة من الرعب الخيالي , حين تكشف عن واقع مرعب نعيشه .
فحين شاهدت أفلاما مثل: ( الخطايا السبع)( seven ) ---اختفاء( vanishing))
(نادي القتال) fight club)) , أدركت كم يمكن أن يصير الواقع أكثر رعبا من الخيال ، لأنه _ بعكس الخيال _ يمكن أن يحدث لك ، فاحتمالات أن تسير في شارع مظلم وخال ٍ فيظهر لك لص يهددك , قد يسلبك في لحظة كل ما تملك ماديا ونفسيا ومعنويا , بل ويهدد حياتك نفسها , أكثر بكثير من احتمال ظهور " عفريت " من الجن.
إنه عنف أعمى وقاس ولا يحمل أية ضمانات أو تأمين مسبق ومضاد له ، فأسباب الاعتداء وصوره تعددت جدا حتى صارت بلا ضوابط , أصبح من الممكن أن يتعرض امرؤ للاعتداء لأي سبب من الأسباب ، لأنه غني أو فقير ، أبيض أو أسود ، جميل أو قبيح ، ملتزم دينيا أو غير ملتزم .
، و (سينما الواقع المرعب ) أو (سينما الرعب الواقعي) ، هي اتجاه سينمائي جديد يقدم لنا أفلاما تدور موضوعاتها حول الجرائم …. جرائم غامضة وغريبة , لا يقوم بارتكابها سفاحون أو مجرمون , إنهم أفراد عاديون من أفراد المجتمع, بل ربما كانوا ينتمون لمن نصنفهم كأشخاص من الصفوة , لكنهم فجأة يتحولون إلى مركتبي جرائم ، ذات دوافع مخيفة لأنها غير متوقعة ، ويتم تنفيذها بأساليب مبتكرة ، شديدة التعقيد والذكاء و الوحشية ، .... إنه عنف ناتج عن عبثية الحياة , نابع من عنف الواقع اليومي المعاش الذي نراه ونعيشه من خلال أحداث العنف في العالم كله ، وفي كل المجتمعات. عنف تطلقه الأغاني وتبثه النشرات , ويهتف به
الساسة في خطاباتهم , وتئن منه الشعوب وتكتسبه في نفس الوقت , عنف ناشئ عن غياب الإحساس بالأمان, عن انعدام المثل , وغياب النموذج.
هذا العنف هو ما دفع بكتاب سينمائيين مثل " أندي ووكر " " Andrew Kevin Walker"
David Fincher و " مخرج ك " دافيد فينشر "
إلى إعادة إرساله إلى المجتمع من خلال شاشة السينما بفيلمهما ، Se7en "" , عام 1995م ، ثم يعاود نفس المخرج التجربة مرة ثانية في عام 1999م بفيلم لا يقل رعبا و بشاعة عن سابقه ألا وهو فيلم " Fight Club"
" . والذي يشارك فيه أيضا بالبطولة النجم الأمريكي " براد بيت " ، الذي ما يفتئ يفاجئنا بتجسيده لتلك الأدوار السينمائية الصعبة كدوره في " أسطورة الخريف " ، أو " لقاء مع مصاص الدماء " ، مما جعل " دفيد فينشر " يلتفت إليه ، ليجعله بطلا أساسيا مجسدا لإنسان ذلك العصر المرتبك ، ومعبرا عن الصراع النفسي العنيف الذي يعتمل بداخله ، و ليضيف " براد " بهذين الفيلمين " رصيدا جديدا لأدواره المميزة ، وأفقا أكثر اتساعا لأدائه السينمائي .

* ( الخطايا السبع ) 1995م (Seven) Brad Pitt
(مورجان فريمان) / (براد بيت ) / (كيفين سباسي)/ (جواينيث بالترو).
تدور أحداث الفيلم حول المحقق الشاب ( دافيد مايلز /براد بيت) المتحمس لحل ألغاز الجرائم والقبض على المجرمين , والذي يتم نقله حديثا إلى ولاية أمريكية أخرى ، تتسم بانتشار جرائم العنف , ليحل محل ضابط قديم سيتقاعد بعد أسبوع
( ويليام سومرست /مورجان فريمان) , لكنهما وخلال هذا الأسبوع كان عليهما المشاركة في حل سلسلة من أبشع الجرائم يرتكبها سفاح مهووس (جون دو / كيفين سباسي) الذي يتبين أنه متطرف ديني يرتكب جرائمه بهدف معاقبة الخاطئين على خطاياهم ( الخطايا السبع المهلكة ) ( الشراهة -الطمع – الكسل-الزنا-الغرور-الحسد-الغضب) وجعلهم عبرة للآخرين, وهو يخطط لجرائمه بصبر وينفذها بذكاء شديد وينفذ مشيئة الرب وتاركا في كل موقع للجريمة اسم الخطيئة التي ارتكبتها ضحيته ، واستحقت معاقبته لها ، على تلك الخطيئة القاتلة .
The Seven deadly sins"
وتظهر أحداث الفيلم الصراع المزدوج بين شخصية المحقق القديم الذي علمته خبرته الطويلة في التعامل مع تلك الجرائم ، أنهما أبدا لن يمنعا الجريمة قبل حدوثها ولن يسمح لهما السفاح بالقبض عليه إلا بعد أن ينهي مهمته كاملة , بينما يسعى المحقق الشاب بعناد شديد إلى محاولة إيقاف القاتل قبل أن يكمل جرائمه ، إلا أن هذا الأخير يسبقهم دائما بخطوة , بجريمة جديدة تكون مفاجأة في مدى بشاعتها عن سابقاتها ,وتاركا لهما في كل مرة دليلا يقود إلى الجريمة التالية .
فكرة الفيلم:
العنف كعقاب وانتقام من مظاهر الفساد في المجتمع , هي الفكرة التي يتبناها الفيلم, _ والتي تعد أيضا هي الفكرة الرئيسة لفيلم " نادي القتال " مع اختلاف القصة والتناول والإخراج السينمائي " _ وهو عنف ناتج عن انعدام القيم واضطراب المجتمع, فضحايا هذا القاتل هم جميعا مذنبون ومرتكبون للخطايا , وهوالقاضي الذي حكم عليهم , والجلاد الذي قام بتنفيذ الحكم ، فالضحية الأولى بدين شره, تنقل لنا عناصر المشهد السينمائي مدى بشاعة مظهره , والكاميرا تنتقل من لقطات قريبة لجسده الضخم المليء بالعروق الزرقاء النافرة , ملابسه وأصابعه القذرة , وجهه المدفون في طبق المعكرونة التي كان يتناولها ، إلى جولة في أنحاء منزله لتبدو القذارة في كل ركن ,علب الطعام تملأ المكان كله , الحشرات والفئران تسعى في كل مكان. وكما يقول القاتل عنه :
" رجل إذا رأيته وأن تتناول الطعام فلن تستطيع أبدا إكمال وجبتك "
الضحية الثانية محام مشهور شديد الثراء ؛ لترافعه في القضايا الكبيرة، والحصول على الرشاوي، وتعامله مع رؤساء العصابات .
أما الثالث فلص منحرف وتاجر للمخدرات, و الضحية الرابعة عاهرة في إحدى نوادي الدعارة الكبيرة , والخامسة امرأة شديدة الجمال ,متكبرة, تستغل جمالها في السيطرة على الرجال
النماذج السابقة كلها نماذج منتشرة في المجتمع , تمارس رذائلها بشكل علني ,بل و يكاد يكون المجتمع نفسه شريكا في التواطؤ على وجودها.
عنف الخيال وحدود الصورة.
ربما يكون من المتوقع إذن احتواء الفيلم على العديد من المشاهد العنيفة , تصاحبها موسيقى تثير التوتر والترقب لتصل ذروة المشاهد مع الضربات العنيفة والصرخات العالية ولطخات الدماء على الشاشة حتى تكاد تخترقها إلى المشاهدين , ربما توافق هذا أكثر مع أفلام "سبيلبيرج" , أو "ميل جيبسون" ، لكننا في هذه الأفلام نجد رؤية إخراجية أخرى , تنقص من قيمة عنف المشهد أمام تخيل أحداثه , فالقاتل نفسه يقوم بوظيفة إخراجية لجرائمه بحيث لا يتم اكتشافها إلا بعد تمام تنفيذها كما يريد هو , ويترك لنا المشهد منتهيا لنرى عمله الفني الأخير , الضباط -ونحن معهم -يصلون إلى مسرح الجريمة بعد انتهاء المسرحية , لتساعدنا الدلائل التي نجمعها على تخيل الأحداث العنيفة التي وقعت , فنجد أن تخيلها أضحى أكثر إثارة للرعب في النفس, من حدود الصورة أو المشهد السينمائي , الرعب هنا ليس في مشاهد القتل ولكنه في تلك الطرق المتوحشة التي قد يبتكرها الإنسان لتعذيب وقتل وتشويه الآخر ، فالشخص البدين الشره نكتشف في معدته شرائح معدنية أرغمه القاتل على ابتلاعها لتمزق جهازه الهضمي كله, والمحامي الطماع يرضخ لتقطيع كيلوجرامين من جسده ينزف معهما دمه طوال ثلاثة أيام كاملة , أما تاجر المخدرات نكتشفه مقيدا في فراشه منذ عام كامل و قد صار هيكلا عظميا حيا ممتلئا ما تبقى من جسده بقروح الفراش , وقد أبقى القاتل على حياته من خلال حقنه بالسوائل وقبل أن يستجوبه الضباط ليخبرهم عن شخصية القاتل يخبرهم الطبيب أنه "قد أصيب بالجنون وابتلع لسانه منذ زمن بعيد" ، أما جريمته الرابعة " قتل العاهرة " فيقص أحداثها ضحية أخرى شارك مجبرا في ارتكاب الجريمة , لتلتصق برؤوسنا صورته ,وكلماته وهو في حالة مفزعة من البكاء والارتجاف.
"- لن أستطيع معاشرة أي امرأة ما حييت بعد الآن, فلن أنسى أبدا مشهدها أو صوت صرخاتها وأنا أفعل بها هذا "
كان الفعل هو معاشرة إحدى العاهرات وهو مرتد لآداه حادة من الجلد والمعدن بينما مسدس السفاح ملتصق برأسه .
ومازالت المفاجآت تتوالى حين تكون الجريمة الخامسة قطع أنف المرأة الجميلة المتكبرة ثم إعادة لصق أنفها بلاصق قوي ليتشوه منظرها تماما , وبالطبع لم ينته الأمر فهو يلصق بإحدى يديها سماعة الهاتف إذا أرادت طلب النجدة , وباليد الأخرى علبة حبوب تساعدها على الانتحار .
" إنها إمرأة شديدة القبح من الداخل لدرجة أنها لا تستطيع أن تحيا دون أن تكون شديدة الجمال من الخارج ."
كل هذه التفاصيل المرعبة يتم اكتشافها تباعا ,فنحن لا نرى أي جريمة أثناء وقوعها ولا حتى باستخدام تقنية( الفلاش باك) ، فالفيلم لم يعرض أي مشاهد عنف حقيقية - سوى مشهد المطاردة بين الضابطين والقاتل _لكن العنف والرعب الحقيقيين , كانا في ذلك الخيال البشري الذي خطط ودبر ونفذ جرائمه بذكاء وصبر شديدين , وروح قاسية بلا حدود , لتصير كل جريمة أبشع من الأخرى في فكرتها وطريقة تنفيذها , حتى جريمته التقليدية الأخيرة , صارت أبشع الجرائم على الإطلاق ربما لأن صاحبتها (زوجة المحقق
/ Gwyneth paltrow) Gwyneth Paltrow
كانت الضحية الوحيدة التي لم ترتكب خطيئة لتعاقب عليها . حتى تلك الجريمة لم نرها لكننا أدركنا مدى بشاعتها من ملامح العبقري (مورجان فريمان) حين فتح الصندوق الذي أرسله لهما القاتل ليكتشف رأس زوجة زميله بداخلها فيندفع جسده كله للوراء في عنف وهو ينظر تجاه زميله ملتاعا وقد أدرك نية القاتل .





المجتمع كشريك أساس في ارتكاب الجريمة:
انهيار القيم يولد العنف , نصب القاتل نفسه جلادا يحاكم أفراد مجتمع فاسد وينفذ الأحكام فيهم , يساعده على ذلك فسادهم أنفسهم , أو حتى الأنانية وعدم المبالاة , والطمع الشخصي, فالشخص المقيد للفراش لمدة عام كامل في مبنى سكني مزدحم لم ينتبه له أحد الجيران أو حتى صاحب المنزل نفسه , وربما كان ذلك ليستمر أكثر لولا أن القاتل نفسه هو الذي أراد اكتشافه.
" إنه الساكن المثالي , لم يتأخر يوما في دفع الإيجار , ولم يشتك منه أحد من الجيران"
وحين يستجوب المحقق الحارس في بيت الدعارة فيسأله عما إذا كان القاتل يحمل شيئا معه , تكون الإجابة:
" الجميع يحملون أشياء معهم حين يأتون ‘ بعضهم يحمل عددا من الحقائب "
ليكون ذلك دلالة على مدى انتشار الفاحشة في المجتمع والتواطؤ على وجودها، بينما يشير الرجل الذي طلب منه القاتل صنع الأداة التي مزقت جسد العاهرة إلى نوع آخر من الاضطراب في المجتمع . فحين يسأله المحقق _ ألم ترتاب في الرجل الذي طلب منك صنع تلك الأداة الغريبة ؟
-" لن تتخيل مقدار الأشياء الغريبة التي يُطلب مني صنعها "
ربما يؤكد ذلك وجهة نظر السفاح في أن ضحاياه ومن حولهم كانوا مذنبين بقدره , هم من ساعدوه على ارتكاب جرائمه , هم من يسروا تلك الطريقة لأنفسهم.
إنها سخرية مريرة قاتمة ومرعبة , وإنذار بالهلاك للجميع , كهلاك (سدوم) و(عمورة ).
وفي أحد المشاهد الهامة حين تصل الشرطة لمنزل القاتل الذي يدل كل ركن فيه على مدى تطرفه وجنونه , فهناك ذاك المحراب الخاص المصطبغ باللون الأحمر , ومعمل تحميض الصور حيث توجد صور كل الجرائم التي ارتكبها السفاح , يسجل القاتل يومياته المخيفة التي تملأ عشرات المجلدات , والتي توضح أفكاره المتطرفة المجنونة والسادية في عنفها و شذوذها.
و يقرأ المحقق" سومرست" بعض ما جاء في تلك اليوميات :
" وأنا جالس في مترو الأنفاق اليوم ، اقترب مني رجل ليتبادل معي الحديث ، بدأ حديثا وديا قصيرا ،كان رجلا وحيدا يتحدث عن الطقس وأشياء أخرى ، حاولت أن أبدو سعيدا ومجاملا له ، لكن رأسي بدأ يؤلمني بشدة من جراء تفاهة حديثه وابتذاله ، و إذا بي فجأة أشرع في التقيؤ عليه ، لم يعد الرجل سعيدا بالمرة ، أما أنا فلم أستطع أبدا الكف عن القهقهة.

الحوار:
للحوار في هذا الفيلم دور أساس , بل لن نبتعد عن الصواب إذا قلنا أن بنية الفيلم قائمة على الحوار بين الشخصيات , فهناك دائما الجدل المستمر والقائم بين الضابطين (القديم والجديد)
حيث يتكشف من خلال ذلك الجدل أفكارهما المتناقضة , ثم محاولات تحليل الجرائم, واستنتاج شخصية القاتل .
ثم الحوار بين المحقق القديم ( سومرست ) -(مورجان فريمان)- ,و زوجة المحقق المذعورة (ترايسي مايلز ) التي تشكو له وحدتها الشديدة وخوفها على زوجها الذي يمارس عملا خطيرا في ولاية جديدة وعنيفة ثم تبوح له بأكثر الأمور إثارة للقلق لديها وهو اكتشافها أنها حبلى , هنا يخبرها (فريمان ) أنه خسر حبيبته لأنه أراد منعها من الإنجاب , فهو يعيش العنف , يراه ويلمسه يوميا , و لم يرد لطفله أن يولد في عالم عنيف , غير آمن .
ويليام سمرست : منذ عدة أيام حققت في جريمة ,كان لصٌ قد هدد عجوزا , فانصاع له الأخير وأعطاه كل ما كان معه, لكن اللص وبعد أن أخذ كل شيء اقتلع عيني الرجل بخنجره ، …………..إن كنت ستحتفظين بالطفل أخبريه , وإن كان العكس , فلا تخبريه أبدا .
إنه عنف قاس , مروع وبشع , وبلا مبرر .
ثم يأتي الحوار الجدلي العنيف بين المحقق الشاب (براد بيت ) و القاتل (كيفين سبايسي) بعد تسليم هذا الأخير نفسه وفي السيارة يدور الحوار بينهما , فتظهر لهجة المحقق الغاضبة وعصبيته المفرطة وهو يتهم القاتل بالجنون ويستفزه بالتقليل من شأنه وِشأن اعتقاداته , بينما يدافع القاتل عن نفسه بهدوء شديد , موضحا استحقاق ضحاياه لهذا المصير الذي قادهم إليه , لارتكابهم جميعا للذنوب والخطايا . أما المحقق الآخر " سومرست " فهو يراقب ذلك الحوار الجدلي العنيف بينهما بتوجس شديد .
المحقق مايلز : هناك شيء ما يؤرقني ، وربما بإمكانك مساعدتي لمعرفته ، هل المجانين أمثالك ، يدركون ذلك ، أعني هل حدث لك مرة أن كنت جالسا لتقرأ إحدى روايات الجرائم اللعينة ثم انتفضت واقفا فجأة لتصيح عاليا " ياللروعة ،لكم أنا مجنون لعين ؟!
جون دو : يبدو أنه من المريح بالنسبة لك أن تصفني بالجنون .
المحقق مايلز : ذلك مريح للغاية .
جون دو : إنك حين تطلب مني أن أشفق على هؤلاء الناس ، فكأنما تريدني أن أِشفق على الآلاف الذين هلكوا في سدوم وعمورة .
ويليام سمرست : أهذا ما تريد قوله يا جون ، أنك أداة الرب ، لتنفيذ مشيئته .
جون دو : إن الرب ينفذ مشيئته بطرق عجيبة وغامضة .
المحقق مايلز : مهلا ، لقد كنت أعتقد أنك قتلت أناس أبرياء .
جون دو : أبرياء ! أيفترض أن يكون هذا مضحكا ؟رجل بدين ...، رجل مقزز يقف على قدميه بصعوبة ، رجل إذا ما لمحته في الطريق ستشير إلى أصدقائك ليشاركوك في السخرية منه ، رجل إذا رأيته وأن تتناول الطعام فلن تستطيع أبدا إكمال وجبتك ، وبعده اقتصصت من المحامي ، وأنا واثق من أنكما تشكرانني سرا على قتله ، إنه رجل كرًس حياته لجمع المال عن طريق الكذب مع كل نفس يتنفسه ، ليطلق القتلة والمجرمين في الشوارع .
المحقق مايلز هازئا : القتلة !
جون دو : إمرأة ...
المحقق مايلز: قتلة يا جون ! ، مثلك أنت نفسك .
جون دو مقاطعا : إمرأة شديدة القبح من الداخل لدرجة أنها لا تستطيع أن تحيا دون أن تكون شديدة الجمال من الخارج ، و تاجر مخدرات ، مدمن ولوطي في الواقع ، ودعنا لا ننسى تلك العاهرة ناشرة الأمراض.
فقط في عالم كهذا تستطيع أن تقول عن هؤلاء الأشخاص أنهم كانوا أبرياء . وهذا هو بيت القصيد ، فقد صرنا نرى الخطايا المهلكة تحدث أمام عيوننا عند كل ركن من الطريق ، في كل بيت ، ونتغاضى عن ذلك ، نتغاضى عنه ونبيحه لأنه أصبح شائعا وعاديا ، أصبحنا نتغاضى عنه صباحا و نهارا وليلا . حسن ! ليس بعد الآن . لقد وضعت المثال بنفسي ، فما فعلته سيظل لغزا محيرا ، ولسوف يدرس ويتبع إلى الأبد
ثم تتصاعد ذروة الحوار والأحداث في مشهد النهاية حين يحاول السفاح دفع المحقق (الغاضب دائما ) إلى ذروة الغضب حين يعترف له بأن خطيئته هو الشخصية كانت حسد المحقق على مكانته في المجتمع وحياته العادية , وزوجته الجميلة , التي يحاول اغتصابها أولا ثم يقطع رأسها.
" -لقد قمت بزيارة منزلك في الصباح بعد مغادرتك له , واستقبلتني زوجتك الجميلة, ولقد أردت القيام بدور الزوج معها , أردت أن أحياة حياة رجل بسيط ، لكن الأمر لم يفلح ، لذا احتفظت بتذكار منها ، رأسها الجميل ."
هذه العبارة تدفع المحقق الشاب إلى الغضب والانهيار التام فيصوب مسدسه للقاتل , بعد ما يوقن من ملامح وصوت زميله , أن القاتل على حق وأن ما في الصندوق رأس زوجته التي كانت تحمل طفله في أحشائها ,بينما يردد القاتل بهدوئه المثير: "أعتقد أن خطيئتي كانت الحسد ، وخطيئتك هي الغضب "
النهايات غير السعيدة :
في أحد مشاهد الفيلم يقول المحقق "ويليام سمرست ": " إن الأمور لا توحي أبدا بأن النهاية ستكون سعيدة ".
فعلى الرغم من أن فكرة الفيلم قد تبدو تقليدية في الظاهر ، فهذا هو السفاح المنظم الذي يرتكب سلسلة من الجرائم ، يربط بينها خيط واحد ، في الرؤى الإخراجية الأخرى كان سيتم ارتكاب العديد من الجرائم وتدور الكثير من المغامرات ومحاولات إنقاذ ضحايا محتملين " نساء على الأغلب " حتى يتم اكتشاف القاتل و بالتالي يدفع ثمن جرائمه وينتهي الفيلم بتنهدات الارتياح ، فقد زال الخطر _ إلا إذا أراد صانعو الفيلم إتمامه بأجزاء أخرى _ فيكون المشهد الأخير خيال القاتل مرة أخرى مع انطلاق صرخة للضحية . إلا أننا نكتشف خطأ هذا التصور في النهاية ، ولأن تلك الأفلام تتناول ما قد يحدث في الواقع ,فإن النهايات السعيدة غابت عنها, لتحتل مكانها تلك الأحداث التي تدفع في النفس غصة تستمر بداخلك وقتا طويلا بعد مشاهدة الفيلم , وتعاود الظهور من جديد مع كل تذكر له , أو مع كل رؤية تالية له.
فالرعب الواقعي يكسر النهاية النمطية السعيدة ، ليفاجئنا في فيلم "Se7en"" بتلك النهاية المفزعة حين يكتشف المحقق الشجاع الغاضب العازم على تحقيق العدالة ، يكتشف أن النهايات السعيدة قد تحدث في الأفلام فقط ،_ ليس بعد الآن _ وأن الرعب والعبثية المريرة قد يتحقق في الواقع حين يواجهه القاتل بأنه قتل زوجته بعد اغتصابها .
فيعجز المحقق وقتها عن تحقيق ما آمن به من قبل وعن محاسبة القاتل على أفعاله الشنيعة بتقديمه للمحاكمة ، حين يشهر مسدسه في وجه القاتل بعد لحظات من الألم والذهول والرفض وعدم التصديق والصراع بين كل ما آمن به وبين رغبته المدمرة في القصاص والانتقام لينتهي المشهد الختامي -الذي أبدع الجميع في تقديمه- ، بدوي الرصاصات التي بدت كأجراس حادة تدق بعنف داخل كل عقل ، ويسترجعها الذهن دائما مع انقباضة في الفؤاد من عالم غير آمن وعبثي تماما نحياه كل يوم .


Morgan Freeman *"" مورجان فريمان " : الصوت المنذر قبل ظهور القرش" :

" إذا انشقت رأس جون دو فجأة ، وخرج منها مخه طائرا ، فأريد منك أن تكون متوقعا لذلك " _" ويليام سمرست " محدثا " دافيد مايلز " .
لم تكن تلك المرة الأولى التي يجسد فيها " مورجان فريمان " دور ضابط البوليس ، وإن كنت أود الإشارة إلى تميز وجدة الأداء في تلك المرة ، فالمحقق ( سمرست ) الذي هو في طريقه إلى التقاعد ، أورثته مهنته غير التقليدية في التعامل اليومي مع أشد أنواع الجرائم قسوة ووحشية وعبثية ، أورثه ذلك ألما و يأسا وكرها للواقع المعاش ، فقد أصبح يؤدي عمله مكرها ومتلهفا على التقاعد ، ليعتزل العالم ، فيستأجر بيتا على البحر في مكان ناء ليعيش ما تبقى من حياته بهدوء وسلام ،بعيدا عن تلك المدينة المرعبة بجرائمها الوحشية . وهو يمتلك حدسا سوداويا صائبا تجاه ما يقابله من جرائم ، و كأنه استطاع النفاذ لذلك الشر القاتم داخل النفس الإنسانية . فهو ومع الجريمة الأولى للسفاح يحاول الانسحاب و يرفض أن يتولى إكمال التحقيق مع المحقق الجديد " مايلز " بل ويحاول تحذيره . لكن ذلك الأخير بعناد طفولي ومحاولة إثبات للذات يرفض و يتمسك بالتحقيق . و سمرست الذي اختار في الماضي أن يمضي حياته وحيدا بعد أن رفض إنجاب طفل في ذلك العالم المرعب الكريه . نجده طوال الأحداث ، وبما يمتلكه من حدس منذر بالخطر ، يحاول دائما إنذار وحماية زميله " المحقق مايلز " ربما بشعور أبوي تجاهه ، وبإحساس ما بالمسئولية . وربما هذا ما دفعه لاستكمال التحقيق معه ومساعدته فيه . إن ذلك الحدس الغامض بالنهاية القاتمة يشبه صوتا خفيا منذرا مصاحبا للمشاهد طوال أحداث الفيلم ، يذكرني بتلك الموسيقى التصويرية التي كانت تسبق ظهور القرش دائما في أفلام " سبيلبيرج " و التي استعاض عنها " دافيد فينشر " بشخصية وأداء " مورجان فريمان " و جمله الحوارية المنذرة .
" لقد كتب إرنست هيمنجواي مرة " العالم مكان جميل ، يستحق الصراع من أجله "
أتفق معه في الجزء الثاني . / " ويليام سومرست " .